التخطي إلى المحتوى

تسلّلتْ بخطواتٍ باردة، تحملُ بيدها فنجانًا من الذكرياتِ المُرّة التي لاتنسى طعمها، تهادتْ لتلكَ النافذةِ التي تُضيءُ ثقبًا في فؤادها، أمسكتْ بأناملها ستارةَ الماضي؛ لتُزيحها عن ناظريها لتتضحَ رؤيةُ المستقبل، علّها تجدُ مايفرحُ سِرّها، انسدلتْ أشعةُ الشمسِ منسابةً نحوها، لتحضنها بقوةٍ وتشعرها بدفءِ الأُم

رُسمتْ ابتسامةٌ على ثغرها بعدَ مرورِ شريطِ الذكرياتِ داخلَ مسرحِ دماغها، كانتْ كمنْ أشبعهُ الزمنُ ضربًا، والتعبُ أنهكَ كاهلها، باتَ للحُزنِ بيتٌ يسكُنهُ، تعرّتْ من كُلِّ ابتساماتِ الصباح، كانتْ حكايتُها عن الخوفِ والندم، عن الوجعِ والضعف، حتى استسلمتْ للكُرسيِّ القديم، الذي جمعَ خرابَها على هيئةِ بشر

أمطرتْ محاجرُ عينيها، وامتزجتْ الملوحةُ مع مُرِّ الماضي، أرختْ الهدُبَ وسكنتْ الأركان وبقيَ العذابُ يأكلُ صميمها -جراحُ الروحِ تقطرُ خيبةً وأخذت تسبحُ في ظلماءِ الغرفةِ دون مبالاة، خلعتْ حذاءها ولامستْ قدماها الأرضُ فلسعتْ البرودةُ أسفلهما، لسعةً قارصةً تبعثُ في النفسِ شعورَ الحنين بعودةِ الإحساس بالأشياء من حولك

جاءها خاطرٌ سريعٌ ضربَ سقفَ ذاكرتها، وأشعلَ بريقَ مُقلتيها، وأسرى بها بعيداً عن نورِ تلك النافذة مُتجهًا نحو سريرٍ مليءٍ بالخيبات، تحرّكتْ نحوه بخطواتٍ مُتعبة، لامست برؤوسِ أصابعها خشب السرير؛ فانتشر داخلها إحساسٌ غامض، تابعتْ التقدم والالتفاف حتى وصلتْ مُقدمته، وألقتْ بتعبِها كلِّهِ عليه، سافرتْ بخيالها معلنةً الرحيل عن الواقع، خمدتْ أنوارُ بصيرتها، واستشاطَ بركانُ ذكرياتها، تقلّبتْ الأوجاع في صدرِها، وانحنى الخذلانُ في معبدِ حُطامها فاستباحَ عُزلتها.

يدٌ حنونةٌ مسحتْ على حقولِ جمالها، كانتْ رقيقةً ناعمةً، وكأنّها معجزةٌ أبعدتْ كلَّ آلامِ الحياةِ عن قلبها، كانتْ يدُ صاحبِ سبعِ مناراتٍ يعتلينَ رأسه، انتفضَ قلبُها فرحًا وغابتْ غمامةُ السوءِ التي خيّمتْ فوقها، أزهرتْ براعمُ الفرجِ على وجنتيها، نَمَتْ حباتُ قمحٍ فزيّنتْ قمرَ وجهها، امتلأتْ عينها بالسرور، عزفتْ أحاسيسها سمفونيةَ السعادة، تسارعتْ حروفُ الأبجديةِ لتخرجَ من لسانها وترسمَ أهازيجَ الفرحِ على صفحاتِ الهواءِ العليل التي أعادتها لقيدِ التفاؤل، أنقذتها من خبايا النفسِ الأمارة بالسوء، شهقتْ بقوةٍ وكأنّها ولدتْ من جديد، أبي.

 

للكاتب: ياسر الزين

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *